بحث ودراسة حول الأعذار القانونية في القانون الجنائي

الكاتب:مدونة الأحكام القضائية

ماهية الأعذار القانونية :

الأعذار القانونية (الشخصية أو المادية ) (1) ، هي الأسباب التي تعفي من العقوبة أو تخفّفها ، يستخلصها المشرّع نفسه وينص عليها في القانون ، ليلزم بها القاضي أوالمحكمة في الحدود التي وردت في النص القانوني متى ثبت قيامها (2) ، أوهى الأسباب التي ينص عليها القانون ويكون من شأنها تخفيف العقوبة أو رفعها كلياً ، ولمّا كانت لا توجد من غير نص فلقد نص على ذكرها القانون على سبيل التحديد والحصر (3) . والأعذار القانونية بحسب الفقرة (1) من المادة (128) من قانون العقوبات العراقي إما معفية من العقاب أو مخففة له، أداء نصت هذه المادة على أن (( الأعذار إما أن تكون معفية من العقوبة أو مخففة لها ولا عذر إلاّ في الأحوال التي يعينها القانون …)) . الأمر الذي يتعين معه أن تكون كل الأعذار منصوص عليها في القانون ، وهي مع إنها لا تنتج الآثار نفسها إلاّ أنها تعد من طبيعة واحدة ، لأن المشرع هو وحده الذي يتكفل بتحديدها بموجب نص صريح ، إذا أن مبرراتها قانونية بحتة ، ويعود أمر استقصائها لمحكمة الموضوع التي تكون ملزمة بإعمالها حال قيامها ، فإن من خصائص هذه الأعذار إذاً وميزاتها ، أن تكون ( شرعية ) أوقانونية تستمد وجودها من النص ، وأن تكون ( ملزمة ) للقاضي أو المحكمة من حيث التطبيق حال توافرها ، وهي لا تؤثر في بقاء الجريمة ، بل تؤثر في العقوبة (4) .

أولاً – الأعذار القانونية المعفية من العقوبة ( موانع العقاب )

1- المعنى :

الأعذار المعفية، هي الأسباب المنصوص عليها في القانون ، والتي من شأنها إعفاء الفاعل من العقوبة المقررة للجريمة بمقتضى حكم يصدر من المحكمة ، على الرغم من قيام الجريمة بكل أركانها وتوافر شروط المسؤولية عنها . وذلك يكشف أن الأعذار المعفية تتسم بطابع الاستثناء من الأصل العام ، وهي لذلك مبينة على سبيل الحصر ، ومن ثم فلا يصح التوسع في تفسيرها بطريق القياس ، وإنما يلزم تفسيرها تفسيرا ضيقاً (5) . ويذكرأن الفقرة (2) من المادة ( 128) من قانون العقوبات العراقي ، قد نصت على ضرورة بيان العذر المعفي في الحكم الصادر بالإعفاء ، بقولها (( يجب على المحكمة أن تبين في أسباب حكمها العذر المعفي من العقوبة )) . وان العذر المعفي من العقاب طبقا للمادة ( 129) منه يمنع من الحكم بأية عقوبة أصلية أو تبعية أو تكميلية . كما يقتصر نطاق الإعفاء من العقوبة على من توافر فيه السبب أو العذر المعفي ولا يستفيد منه المسهمون في الجريمة (6) .

2- التطبيق القانوني:

لا توجد أعذار معفية عامة ، و إنما كل الأعذار المعفية تكون خاصة بجرائم معينة ،قررها القانون بغية تحقيق منفعة (محققة) ضرورية ومهمة للمجتمع من خلال ذلك الإعفاء بما يفوق بكثير المنفعة (المحتملة) من العقوبة ،ومثال بعض حالات الإعفاء وأسبابها الواردة في القانون يمكن الإشارة أليها فيما يأتي:-

أ – قد يكون الإعفاء مقابل الخدمة التي يقدمها الجاني إلى الهيأة الاجتمــــــاعية (أو المجتمع)،بكشفه عن الجريمة و السهمين فيها إهماله تسهيل القبض عليهم ،أو لتجنب وقوع جريمة محتملة ، وهى خدمة مهمة بالنظر لخطورة هذه الجرائم التي عادة ما تتّسم بالخفاء، كالإعفاء الوارد في قانون العقوبات العراقي من عقوبة الاتفاق الجنائي العام في (المادة/59)،و الإعفاء من عقوبة الاتفاق الجنائي في مجال الجرائم الماسة بأمن الدولة الخارجي في(المادة/187 منه) ،و أمن الدولة الداخلي في (المادة/218 منه). والإعفاء من عقوبة جرائم تقليد أو تزوير الأختام أو السندات أو الطوابع أو تزييف العملة و تزوير المحررات الرسمية. وإعفاء الراشي والوسيط من العقوبة في جريمة الرشـــوة في(المادة /311) منه .

ب-الإعفاء لغرض تشجيع الجاني على عدم الاسترسال في عمله الإجرامي ،أو تجنيب المجتمع أضراراً كان مهدداً بها ، كالإعفاء من الاشتراك في اتفاق جنائي أو في العصابات أو الجمعيات أو المنظمات أو الهيئات أو الفروع المنصوص عليها في مجال الجرائم الماسة بأمن الدولة الداخلي إذا انفصل الجاني عنها عند أول تنبيه له من السلطات الرسمية ، الوارد في المادة (217) من قانون العقوبات العراقي .أو الإعفاء من عقوبة جريمة اليمين الكاذبة لمن رجع إلى الحق بعد إداء اليمين الكاذبة وقبل صدور حكم في موضوع الدعوى الوارد في المادة (258) منه . أو الإعفاء المقرر لمرتكبي جريمة من جرائم التقليد أو التزييف أو التزوير إذا أتلف مادة الجريمة قبل استعمالها ، الوارد في المادة (303) منه . أو الإعفاء من عقوبة جريمة الخطف بالنسبة للجاني الذي يتقدم مختاراً إلى السلطات العامة ويعلمها بمكان وجود المخطوف قبل اكتشافها له ، والتعريف بالجناة الآخرين معه إذا ترتب على ذلك إنقاذ المخطوف والقبض على الجناة ، الوارد في المادة ( 426/ 2) منه . أو الإعفاء من عقوبة جريمة إخفاء أشياء متحصلة من جريمة إذا بادر الفاعل إلى إخبار السلطات العامة عن مرتكبي الجريمة قبل مبادرة تلك السلطات بالبحث والاستقصاء عن أولئك الجناة ، الوارد في المادة (462/ 1) منه .

ج-الإعفاء بسبب إصلاح الجاني الضرر الناتج عن الجريمة .كإعفاء الخاطف إذا تزوج بمن خطفها ،الوارد في المادة (347/3) من قانون العقوبات البغدادي (الملغى)،والمادة (291 ) من قانون العقوبات المصري .

د-الإعفاء بقصد الحفاظ على العلاقات العائلية وروابط القربى والمودة بين ذوى الأرحام والقربى والأصهار ،كإعفاء زوج مرتكب الجريمة الماسة بأمن الدولة الخارجي وأصوله وفروعه وأخته وأخيه من العقوبة في حالة تقديم الإعانة ووسيلة العيش والمأوى لمرتكب الجريمة ،الوارد في المادة (183/ب) من قانون العقوبات العراقي ،أو إعفاء زوج الفار من القوات المسلحة وأصوله وفروعه وأخته وأخيه من عقوبة جريمة إيواء الفار وإيجاد المأوى له ، الوارد في المادة (199)منه .

ﻫ-الإعفاء مراعاة لحالة الجاني النفسية ، كإعفاء الجاني من عقوبة جريمة القذف والسب مراعاة لحالة المتهم النفسية ، إذا كان في حالة غضب فور تعرضه لاعتداء ظالم ،الوارد في المادة (436/2) من قانون العقوبات العراقي .

ثانيا-الأعذار القانونية المخففة للعقوبة

1-المعنى:

الأعذار المخففة ،هي وقائع أو عناصر تبعية توجب تخفيف العقاب إلى أقل من الحد الأدنى المقرر قانوناً ، خصّها المشرع بالنص الصريح (7) ،أو هي حالات يعينها القانون على سبيل الحصر ، تلزم المحكمة عند توافرها بتخفيف العقوبة على وفق قواعد معينة في القانون (8) .

و في ذلك يكمن اختلافها عن الظروف المخففة (أو أسباب الرأفة) التي تركها المشرع لتقدير المحكمة ،بيد أن التفرقة تدق بينهما في قانون العقوبات العراقي ، إذ أورد عددا من الظروف المخففة على سبيل الحصر ،على أنه تبقى التفرقة السائدة بينهما والمستقرة في الفقه تقضي بأن القانون يلزم المحكمة كقاعدة عامة بالتخفيف في حالة الأعذار المخففة ،على حين لا يوجد مثل هذا الإلزام في مجال الظروف المخففة حتى لو نص عليها المشرع على سبيل الحصر ،فوجود مثل هذا النص لا يعنى تقييد المحكمة بما هو منصوص عليه منها (9) . وهكذا يظهر بوضوح أن نظام الأعذار المخففة وسيلة للتفريد التشريعي ،على حين يعد نظام الظروف المخففة وسيلة للتفريد القضائي (10) . والأعذار القانونية المخففة على نوعين ،أعذار مخففة عامة ،وأعذار مخففة خاصة.

2-التطبيق القانوني :

ونتناول هنا تطبيقات الأعذار العامة أولاً ،ثم تطبيقات الأعذار الخاصة ،فنقول في ذلك الاتي:-

إن الأعذار المخففة العامة ،هي التي يتسع نطاقها لتشمل جميع الجرائم أو أغلبها في الأقل ، وأمثلتها : عذراً الباعث الشريف والاستفزاز الخطير الواردان في المادة (28/1) من قانون العقوبات العراقي ، فقد نصت على أنه ((…يعتبر عذراً مخففاً ارتكاب الجريمة لبواعث شريفة أو بناءً على استفزاز خطير من المجني عليه بغير حق )). وكذلك عذر نقص الإدراك أو الإرادة الوارد في المادة (60)منه ،إذ نصت على ما يأتي :- ((…أما إذا لم يترتب على العاهة في العقل أو المادة المسكرة أوالمخدرة أو غيرها سوى نقص أو ضعف في الإدراك أو الإرادة وقت ارتكاب الجريمة عدّ ذلك عذراً مخففاً )).

أما الأعذار المخففة الخاصة ، فهي التي لايتسع نطاقها إلا ّفي حدود جريمة واحدة أو طائفة محددة من الجرائم ،كما في أعذار التخفيف الواردة في نصوص المواد الآتية من قانون العقوبات العراقي : المادة (256) الخاصة بجريمة شهادة الزور ،والمادة (311)الخاصة بجريمة الرشوة ،والمادة (409)الخاصة بقتل الزوجة أو إحدى المحارم في حالة تلبسها بالزنا أو وجودها في فراش واحد مع شريكها ،والمادة (426/1)الخاصة بجريمة الخطف،والمادة (398) والمادة (427) الخاصتان بعذر الخاطف إذا تزوج بمخطوفته، والمادة (462)الخاصة بإخفاء أشياء متحصلة من جريمة .ويلاحظ أن في بعض هذه الصور من الأعذار المخففة الخاصة ، يحدّد المشرع العذر المخفف مع تعيين العقوبة المخففة المقررة له ، كما جاء في نص المادة (409)من قانون العقوبات التي قالت : ((يعاقب بالحبس مدة لاتزيد على ثلاث سنوات من فاجأ زوجته أو إحدى محارمه في حالة تلبسها بالزنا أو وجودها في فراش واحد مع شريكها فقتلهما في الحال أو قتل أحدهما أو اعتدى عليهما أو على أحدهما اعتداءً أفضى إلى الموت أو إلى عاهة مستديمة …) وهى تخفيف لعقوبة السجن المؤبد أو المؤقت المخصصة لجريمة القتل الواردة في نص المادة (405 ) منه. ويلاحظ في بعض آخر من صور هذه الأعذار أن المشرع يحدد العذر المخفف من دون تعيين العقوبة المخففة المقررة له ،كما جاء في نص المادة (462) منه بقولها ((يعتبر عذراً مخففاً مبادرة مرتكب جريمة إخفاء أشياء متحصلة من جريمة إلى إخبار السلطات العامة عن مرتكبي الجريمة التي تحصلت منها تلك الأشياء بعد قيام السلطات بالتحقيق)).

___________________

1- تنظر المادة (52) من قانون العقوبات العراقي والتي تنص على أنه (( اذا توافرت أعذار شخصية معفية من العقاب أو مخففة له في حق أحد المساهمين – فاعلاً أو شريكاً – في ارتكاب الجريمة فلا يتعدى أثرها إلى غير من تعلقت به . أما الأعذار المادية المعفية من العقاب أو المخففة له فإنها تسري في حق كل من ساهم في ارتكاب الجريمة )).

2- د. أكرم نشأت ابراهيم –القواعد العامة في قانون العقوبات المقارن-ط1-مطبعة الفتيان-بغداد-1998– ص 346 .

3- د. ماهر عبد شويش الدره-الأحكام العامة في قانون العقوبات-دار الحكمة للطباعة والنشر-الموصل/العراق-1990-ص492.

4- د. فخري عبد الرزاق الحديثي-شرح قانون العقوبات/القسم الخاص-مطبعة الزمان-بغداد-1996 – ص 449 وما بعدها .

5 – د. محمود نجيب حسني-شرح قانون العقوبات/القسم العام-ط5-مطبعة جامعة القاهرة والكتاب الجامعي-1982م – ص 792 . وينظر د. أحمد فتحي سرور-الوسيط في قانون العقوبات /القسم العام-ط6-دار النهضة العربية –القاهرة-1996 – رقم 497 – ص 775 . ود. ماهر عبد شويش الدره-الأحكام العامة في قانون العقوبات-دار الحكمة للطباعة والنشر-الموصل/العراق-1990- ص 493 .

6 – د. فخري عبد الرزاق الحديثي – القسم العام – ص 453 .

7 – د.ماهر عبد شويش –المصدر السابق –ص494.

8 – د.حسنين ابراهيم صالح عبيد- النظرية العامة للظروف المخففة –دار النهضة العربية /القاهرة –1970ص155. وينظر د.فخرى الحديثى-القسم العام –ص453

9 – د.فخرى عبد الرزاق الحديثى –القسم العام-ص453 وما بعدها

10 – د.اكرم نشات ابراهيم –المصدر السابق –ص348.

حكم الغلط في الأعذار القانونية :

الجهل لغة ، هو انتفاء العلم كلياً أو جزئياً ، أما الغلط ، فهو العلم على نحو يخالف الحقيقة . والجهل على ذلك يمثل وضعا سلبيا مبناه العدم ،على حين ينطوي الغلط على وضع إيجابي ،على أن دلالته تتعدى إلى إدراك الأمر و لكن فهمه يحصل بصورة مغايرة للواقع . ومن هنا قد تبدو ثمة صلة بين هذا وذاك ،فالغلط جهل بحقيقة الشيء أو بواقعة (1) .الأمر الذي يقتضينا بحث الحالات التي قد ترد ضمن هذا الإطار وهي : الغلط في عدم وجود الأعذار (أي الجهل في الأعذار) ،والغلط في الأعذار، والغلط بواقعة حدود العذر (تجاوز حدود العذر ). والبحث في هذه الحالات سيشمل الأعذار المعفية والمخففة معاً من دون تخصيص وإفراد ، وذلك لعدم اختلافهما في الحكم إلاّ نادراً مما سوف نشير إليه .

أولاً- الغلط في عدم وجود الأعذار (الجهل في العذر)

تفترض حالة الجهل بوجود العذر القانوني أو الغلط في عدم وجوده ،أن يتوافر نص قانوني يقضي بوجود السبب أو الواقعة التي يقوم بها العذر، و توافر كل الشروط التي يحدّدها القانون لقيامه، على حين ينتفي علم الجاني بذلك و يعتقد على سبيل الغلط أن القانون لا يقرر له عذرا معفياً أو مخففا يستحق بموجبه الإعفاء أو التخفيف من عقوبة الجريمة التي اقترفها (2) . ويتعين في هذه الحالة التمييز بين افتراضين :

الأول- حالة الغلط في القانون . وفيها يقدم الجاني على فعله جاهلاً قيام عذر قانوني معفى أو مخفف لمصلحته ، معتقداً أنه يرتكب جريمة مجردة من العذر المعفى أو المخفف من العقاب ، كما لو أقدمت الزوجة على إخفاء زوجها الهارب من الخدمة العسكرية أو الذي ارتكب جريمة ما ،معتقدة على سبيل الغلط قيامها بفعل جرمي خال من الأعذار المعفية من العقاب ، بأن كانت تجهل أن المادة (273) (3) من قانون العقوبات العراقي تعفيها من العقاب على فعلها الجرمي ، وكذا المادة (247) (4) منــــــــــــه .

أما الثاني –فهو حالة الغلط في الوقائع . وفيها يقدم الجاني على فعله جاهلا بأن الوقائع التي صاحبته تقوم عليها أعذار قانونية معفية أو مخففة للعقاب ، كما لو أقدمت إمرأة على إخفاء شخص أو ساعدته على الاختفاء أو الاختباء ليتوارى عن السلطات المختصة ويهرب من وجه العدالة ، متصوّرة أنه شخص غريب لجأ إليها لمساعدته وهو متنكر بملابسه وهيأته ، ثم يظهر لاحقاً أنه زوجها أو أخوها (5) ،أو كما لو أقدم شخص على سرقة خاتم ظنّه ذهباً ،فتبين أنه خاتم مزيّف وليس ذهباً ،جاهلاً بأن المادة (427/1) من قانون العقوبات الأردني تخفف العقوبة عليه لتفاهة الشيء المسروق (6) . وإن تحديد أهمية الغلط بعدم توافر العذر القانوني ( الجهل بوجوده ) تقتضي التمييز بين نوعين من الأسباب المؤدية إلى هذا النوع من الغلط الذي يكون أساسه الجهل :-

النوع الأول – أن يكون الجهل بوجود العذر أساسه خطأ شخصي حصل بسبب أو عدم الاحتياط ونحوه ، أي حصل نتيجة تقصير الجاني أو قصور فهمه للقانون أو الوقائع و الظروف .

النوع الثاني- أن يكون الجهل بوجود العذر ناجم عن قوة قاهرة طبيعية أو حالة ضرورة ونحوها . والعبرة دائماً في حالة الغلط في تفسير حكم من أحكام القانون أوالجهل بوجوده تكون بما أراده القانون بغير اعتبار لتقدير الجاني أو تصوّره ، وإن المشرّع متى اتجه إلى تقرير عذر من الأعذار القانونية المعفية أو المخففة للعقاب بصدد جريمة معينة ، فإن الأمر يكون ملزما وساريا على أطراف الدعوى كافة ، فلا يؤثر الغلط بهذا العذر في توافره وسريانه ، بمعنى أن الجاني يستفيد من الإعفاء ويستحقه ولو اعتقد عدم وجوده ، وذلك ما لم يتعدَّ الحدود المقررة لذلك العذر . ويقول الفقيه الإيطالي ( مانزيني ) في ذلك أنه :- (( حيث يوجد ظرف استبعد القانون بسببه العقاب ، أي رأى أن العقاب مع وجوده غير لازم يكون من الطبيعي ألاّ يوقع العقاب ولو كان الفاعل جاهلاً وجود هذا الظرف )). والعلة في ذلك أن الأعذار القانونية لا شأن لها بمكونات الجريمة وعناصرها ومن ثم لا علاقة لها بفكرة انتفاء القصد أو عدم انتفائه . إذ إن هذه الأعذار القانونية نظام تبرره ضرورات عملية مهمة في تحقيق أهداف سياسة العقاب والمصلحة الاجتماعية ، ومن ثم لا يكون سائغاً القول باستبعاد العذر متى كانت كل الشروط والأوضاع المحددة لقيامه في القانون متوافرة ، لمجرد انتفاء علم الجاني بذلك ، إذ القول بغير ذلك ينطوي على تجاهل معيب لتلك الضرورات التي يقدّرها المشرّع ويتكفل بالنص عليها صراحة في ثنايا القانون على وفق مقتضيات المصلحة الاجتماعية العامة (7) . وخلاصة الحكم على هذه الحالة على وفق الرأي الراجح في الفقه ، أن الجاني يستفيد من الأعذار القانونية المعفية أو المخففة للعقاب ، وإنّ الجهل أو الغلط فيها لا يحول دون الاستفادة منها . وذلك لأن المشرع يقرر الأعذار القانونية لاعتبارات نفعية لا علاقة لها بنفسية الجاني وقصده ، ويجعله منوطا بتوافر شروط موضوعية بعيداً عن علم الجاني و إرادته ، ولكن الأمر يكون مختلفاً إذا ما تطلب المشرع عناصر شخصية إلى جانب الشروط والعناصر الموضوعية ، استثناءً من الأصل ، كما لو تطلب المشرع قصداً خاصاً لدى الجاني وتخلّف لديه ، فإنه لا يستفيد من العذر في هذه الحالة . ومثال ذلك الأم الجانية التي تقتل وليدها حديث العهد بالولادة إذا حملت به سفاحا دون أن يكون الدافع إلى ذلك اتقاء العار الذي اشترطته المادة (407) من قانون العقوبات العراقي ، والمادة ( 332) من قانون العقوبات الأردني لقيام العذر المخفف ، إذ إن الأم إذا تخلّف لديها هذا الشرط الشخصي فإنها لا تستفيد من العذر المخفف الوارد في النصين المذكورين آنفا (8) . ويشار إلى أن قانون العقوبات اللبناني قد نص في المادة ( 224) منه على أنه :- (( أولاً – إذا وقع الغلط على أحد الظروف المشددة لم يكن المجرم مسؤولاً عنه . ثانيا – وهو بعكس ذلك يستفيد من العذر الذي جهل وجوده )) . بمعنى أن المبدأ في الفقرة ( ثانياً ) الذي تحدث عن العذر يقع على النقيض مما هو مقرر للظروف المشددة فيما يتعلق بالمسهمين والآثار . بمعنى أكثر دقة أن الغلط في الأعذار أو الجهل فيها يحول دون استفادة الجاني منها . وإن المشرع اللبناني لم يضع أي قيد أو حد أو شرط لهذه الحالة قياساً على ما افترضه بالنسبة للظروف المشددة ، سواء أكان هذا العذر موضوعياً ، ومثاله ما قررته محكمة النقض اللبنانية بقولها : (( إذا أقر مرتكب التزوير في الأوراق الخاصة بجرمه قبل الاستعمال والملاحقة ، وكان يجهل ما يترتب على إقراره من إعفاء للعقاب ، فانه يعفى من ذلك سنداً فإنه للمادة ( 472/ 1) رغم جهله الأمر ، وإذا حصل الإقرار عن الجرم بعد استعمال المزور وقبل الشكوى أو الملاحقة فيستفيد من العذر المخفف وفقا للفقرة الثانية من المادة المذكورة )) ، أم كان هذا العذر شخصياً ومثاله ما قررته المحكمــــة بقولها (( من يسرق مال أبيه وهو يظنه لغريب يستفيد حكماً من إعفاء العقوبة المنصوص عليه في المادة (674 ) ، وكذلك (( من يُخفي فارّاً من وجه العدالة ملاحقاً بجناية وهو لا يعرفه ثم يتبين أن هذا الأخير من درجات القربى للمختبىء المنصوص عليها في المادة ((222/2)) يستفيد من الإعفاء )) (9) . والحق ، أن قانون العقوبات العراقي جاء بنص مشابه في المادة (36) يغنينا ذكره عن الخوض في تفصيله كما فعلنا بالنسبة للنص اللبناني الذي أشرنا أليه ، فقد نصت هذه المادة على أنه (( إذا جهل الفاعل وجود ظرف مشدد يغير من وصف الجريمة فلا يُسأل عنه ولكنه يستفيد من العذر ولو كان يجهل وجوده )).

ثانيا – الغلط في وجود الأعذار

تفترض هذه الحالة أن العذر غير متوافر ولا وجود له – قانوناً – في حين يعتقد الجاني على سبيل الغلط اعتقادا خاطئاً توافر هذا العذر المعفي أو المخفف للعقاب (10) . والغلط في وجود العذر من حيث محله ، إما أن يكون غلطاً في القانون ، و اما أن يكون غلطا في بعض الوقائع المادية ، ومن ثم يتعين التمييز بين هذين الإفتراضين :-

الأول – حالة الغلط في القانون

ومبناها الاعتقاد بوجود ما لم يقرره القانون ، أو تفسير أحد النصوص بما لا أساس له في الحقيقة ، كأن يظن الجاني بأن القانون يقرر عذرا ما وهو في الواقع غير مقرر ، أو أنه مقرر بصورة أخرى وشروط مختلفة غير التي اعتقدها على سبيل الغلط ، أو يعتقد بأن النص على العذر مقرر بناءً على واقعة أوسبب أو صفة يظنها فيه شخصياً – خلافاً للحقيقة ولِما نص عليه القانون – أو يظن أن تأثير العذر ينصرف إلى عقوبة جريمة يقترفها وهو في الحقيقة ينصرف إلى غيرها . وبكلمة واحدة أن الجاني قد يتصور أن الشروط والأوضاع التي يتطلبها القانون لتوافر العذر القانوني متحققة من جانبه ، في حين أنها تكون منتفية كليا أو جزئيا (11) . ومن قبيل ذلك أن يطرأ في ذهن الجاني الذي أقدم على قتل زوجته وشريكها ، أن قانون العقوبات العراقي في المادة ( 409) يلتمس له العذر في قتلهما ويقرر إعفاءه تماما من العقاب ، على حين يكتفي المشرع في هذا النص بمجرد تخفيف العقوبة عنه على وفق شروط محددة في النص . أو كما لو بادر الموظف أو المكلف بخدمة عامة الذي قبل الرشوة إلى إبلاغ السلطات القضائية أو الإدارية بالجريمة قبل اتصال المحكمة بالدعوى ، معتقداً على سبيل الغلط أن الشق الأول من المادة ( 311) من قانون العقوبات العراقي تعفيه من العقوبة أسوة بالراشي آن الوسيط ،أو يقوم بالإبلاغ أو الاعتراف بالجريمة بعد اتصال المحكمة بالدعوى وقبل انتهاء المحاكمة فيها معتقداً على سبيل الغلط أن الشق الثاني من المادة المذكورة تخفف العقوبة عنه أسوة بالراشي أو الوسيط .

الثاني – حالة الغلط في الوقائع

وهذا النوع من أنواع الغلط ينصب على بعض الوقائع الخارجية ، أي الوقائع المنفصلة عن عناصر الأنموذج القانوني لعذر من الأعذار ، إذ يعتقد الجاني على سبيل الغلط وجودها بخلاف الواقع ، إذ لو كان هذا الاعتقاد صحيحا وحقيقيا لتواجد العذر فعلا . ومن قبيل ذلك اعتقاد المرأة التي كانت زوجة شخص مطلوب للمحاكمة أنها ما زالت في عصمته وعلى ذمته ، فتخفيه عن السلطات المختصة متصورة أنها تستفيد من العذر المعفي لهذه الحالة ، ثم يتبين انه طلقها قبل واقعة الإخفاء . أو تخفي زوجة الشخص الهارب من الخدمة العسكرية أو من العدالة شخصاً ظانّةً أنه زوجها فيتبين أنه شقيقه التوأم وأنها لم تتمكن من تمييزه نتيجة السرعة وحراجة الموقف والشّبه الشديد بينه وبين زوجها (12) . وقد يكون الغلط متعلقا بتوافر الوقائع التي يقوم عليها أحد الأعذار القانونية المخففة للعقاب في وقت لا تكون فيه هذه الوقائع متوافرة فعلا ، كما لو وجّه اتهام إلى شخص بقتل زوجته وثبت أنه كان يعتقد حين ارتكب فعله الجرمي أنها متلبسة بالزنا ، ثم يظهر أن الرجل الذي كان يجلس بجوارها في الضوء الخافت هو شقيقها ولم يكن في ذلك الجلوس ما يشين (13) .

والحكم في حالة الاعتقاد – خلافا للحقيقة والصواب – في وجود العذر المعفي نتيجة الغلط في وجود العذر أو الغلط في حقيقة وجوده على وفق رأي جانب من الفقه – هو الرجوع إلى المبادئ القانونية العامة التي تقرر أنه لا تأثير للغلط في الأعذار المعفية على أركان الجريمة – محل العذر – ولا سيما على ركنها المعنوي ، فلا يحول ذلك دون قيام المسؤولية الجنائية وتوقيع العقوبة ، ولا تستبعد أيضاً المسؤولية المدنية في صورة التعويض إذا كان لها محل موجب ، إذ إن الأعذار القانونية المعفية لا تدخل في تكوين الأنموذج القانوني للجريمة التي ينصب عليها تأثير العذر الذي يكمن في مجرد استبعاد أورفع العقاب منها . إذ الأصل أن الأعذار تتميز باستقلالها عن البنيان القانوني للجريمة ، فالأعذار لا يثور البحث فيها إلا في وقت لاحق على قيام جريمة معينة ، وهي تفترض أصلا وجود جريمة قائمة وشخص مسؤول عنها (14) . إما حكم الغلط في الأعذار المخففة على وفق الرأي الراجح في الفقه ، فهو الاعتداد بغلط الجاني وافتراض توافر الوقائع التي توهم وجودها وتخفيف مسؤوليته على أساسها . وقد ذهب دعاة هذا الرأي إلى قياس ذلك الحكم على حكم الغلط في الإباحة ، فإذا كان الاعتقاد بتوافر الوقائع التي يقوم عليها سبب الإباحة ينفي القصد الجرمي ويحول دون توقيع العقاب ، فإن الاعتقاد بتوافر الوقائع التي يقوم عليها سبب التخفيف يجعل القصد الجرمي متعلقا بالجريمة ذات العقاب المخفف ، فيكون من شأنه تخفيف العقاب . هذا إلى جانب كون الوقائع التي يقوم عليها عذر التخفيف هي – في الجريمة الاعتيادية – عناصر سلبية يلزم انتفاؤها وعلم الجاني علماً صحيحاً بهذا الانتفاء لكي يحصل إيقاع العقوبة الاعتيادية ، وإذا لم يتضمن علمه هذه العناصر السلبية ، أي لم يعلم بانتفاء الوقائع التي يقوم عليها لكونه اعتقد توافرها على سبيل الغلط ، فإن القصد الجرمي المتطلب في الجريمة الاعتيادية لا يعد متوافراً لديه ، ثم لا يُسأل عن الجريمة الاعتيادية ، إنما تقتصر مسؤوليته على الجريمة ذات العقوبة المخففة (15) . يبقى أن نشير إلى أنه لا محل للنظر في مدى توافر ( حسن نية ) الفاعل في مجال الأعذار المعفية ، بخلاف ما عليه الأمر في أحوال الغلط في الإباحة عموما ، إذ لا أهمية أواعتبار للسبب الذي ينجم عنه الغلط في العذر ، إذ إن حكم العذر المعفي يسري على إطلاقه من دون قيود ، ومن دون النظر أو البحث عن السبب الذي أدى إلى حصول الغلط ، بمعنى أن الاعتقاد الخاطئ أو الغلط في وجود العذر سواء أكان بحسن نية أم بسوء نية ، لا يسري بحق الفاعل حتى لو كان اعتقاد الفاعل مبنياً على أسباب معقولة تبرره . ومع ذلك ،فليس ثمة ما يمنع المحكمة – إعمالا للقواعد العامة – من الاعتداد بالغلط في الأعذار بالنظر إلى أسبابها بوصفه مسوّغاً لتخفيف العقاب متى وجدت موجبا لذلك (16) . وذهبت محكمة التمييز في العراق إلى عدّ الغلط في وجود الظرف المخفف بمثابة ظرف مخفف ، مؤكدة منهجها بعدم المساواة بين الغلط في الإباحة أو ( العذر ) والإباحة نفسها أو ( العذر ) نفسه ، عادّة ذلك ظرفاً قضائياً مخففاً لا أكثر . فقد قررت بصدد إحدى القضايا التي توهم الفاعل غلطاً وجود باعث شريف في فعله خلافا للحقيقة أن (( اعتقاد القاتل بارتكاب المجني عليه فعلاً مخالفاً للآداب مع شقيقته يعتبر ظرفاً قضائياً مخففاً لا باعثاً شريفاً )) (17) . وذلك الاتجاه نجده في قرار آخر لها قالت فيه :- (( إذا كان الدافع لارتكاب الجريمة هو اعتقاد المتهم بأن المجني عليه قد ارتكب الفعل الشنيع مع شقيقته دون رضاها فلا يجوز فرض العقوبة عليه استدلالا بالمادة ( 130 عقوبات ) لأن القتل يصبح باعثه الانتقام وليس الباعث الشريف الذي يكمن في غسل العار غير أن هذا لا يحول دون استدلال المحكمة بالمادة / 132عقوبات ))(18) ، بيد أن محكمتنا العليا سكتت عن تقرير هذا الاتجاه وتأكيده في قرار آخر قررت فيه بأنه (( إذا أقدم المتهم على قتل شقيقته اعتقاداً منه بإدخالها لشخص غريب في دارها ، وثبت بطلان هذا الاعتقاد ، وكون القتيلة قد مانعت في دخول المذكور وطردته بمساعدة من ضرتها الساكنة معها في الدار ، فلا يستفيد عند ذاك من العذر القانوني )) (19) . ونعتقد أن الأمر مرهون في النهاية بالأسباب المعقولة والمسوّغات المقبولة التي تسوّغ وتبرر إقدامه على الفعل وتحمله مثلما تحمل الرجل المعتاد في مثل ظروفه على الاعتقاد بأن فعله تقوم فيه الأسباب والوقائع التي يتأسس عليها العذر ، فإن كانت الأسباب بمثل هذا الوصف ساغ للمحكمة عدّ فعله قد تحقق فيه ظرف قضائي مخفف يجوز لها استخدامه ، و إلاّ فلا يسوّغ لها عدّ الظرف القضائي متوافراّ إذا لم تكن هناك معقولية في الأسباب كما يبين ذلك القرار الأخير المذكور .

ثالثا – الغلط في حدود الأعذار ( تجاوز حدود الأعذار )

إن لهذه الحالة صلة واضحة بحالة الغلط في العذر أو الجهل فيه ، إذ التجاوز- بشكل عام – قد ينطوي على جهل بحقيقة الأمر ، أو العلم به على خلاف الحقيقة والواقع ، الأمر الذي يقتضي بحث الموضوع بدقة ، دفعاً للغموض وتجنباً للخلط والالتباس (20) . لعل من الصعوبة بمكان تصوّر حالة التجاوز في الحدود المقررة للأعذار القانونية ولا سيما المعفية من الناحية العملية -بصفتها قاعدة عامة – لما يتميز به نظام الأعذار من ذاتية واستقلال واختلاف في الشروط والأوضاع التي يتعين توافرها لسريان الإعفاء بالنسبة لكل عذر بذاته . بيد أن ذلك لا يمنع من الاهتداء إلى إيجاد ثمة قاعدة تنفع وتعين في تأصيل حكم التجاوز في الأعذار وتحديد مسألة تطبيقه كلّما دعت الحاجة وعرض الأمر، وبالنسبة لكل حالة على حدة .

ومفاد هذه القاعدة (( أن إنتاج العذر أثره أصلا رهن بتوافر جميع الشروط التي يحددها له القانون ، فان تخلّف أحدها انتفى العذر نفسه ،وظلّت الواقعة خاضعة لنص التجريم ومبقية على مسؤولية مرتكبها كاملة ، كما كان عليه الأمر ابتداءً )) (21) . بمعنى أن التزام الحدود القانونية المقررة في كل عذر يستتبع ترتيب أثره ، وهو وجوب – أو جواز – الحكم باستبعاد عقاب الجاني . وهكذا ، إذا تخلف أحد الشروط التي حدّدها النص لقيام العذر المعفي من العقاب في جريمة ما ، فإن الفاعل لن يستفيد من ذلك العذر، ويتحمل المسؤولية كاملة عن جريمته من دون إعفاء أو تخفيف . ومثال ذلك أن يكون إبلاغ مرتكب إحدى جنايات تزييف العملة عن الجريمة قد حدث بعد استعمال العملة المقلدة أو المزيفة ، أو بعد شروع السلطات في التحقيق ، أو اقتصر إبلاغه على معلومات غير دقيقة أو غير صحيحة لا تجدي نفعا في تحديد هوية الجناة والقبض عليهم ، وذلك خلافاً للشروط التي حددتها المادة (303) من قانون العقوبات العراقي للإعفاء من الجريمة .

وبناء على ما تقدم ، يتعلق التجاوز في حدود الأعذار المعفية بالشروط والأوضاع التي يحددها القانون لتوافر كل أنموذج من نماذج العذر على انفراد ، فالإعفاء من العقاب بمقتضى هذا النظام ليس مطلقاً ، بل له حدوده وضوابطه التي لا ينبغي تجاوزها . ثم أنه نظام استثنائي مقيد بتحقيق أغراض معينة مستمدة من ضرورات فردية ومصالح اجتماعية ، الأمر الذي يقتضي وجوب عدم التجاوز في ممارسته الحد الضروري لحماية المجتمع وأفراده . وإن مسألة التجاوز في حدود العذر المعفي – بلا ريب – لا صلة لها باركان الواقعة الجرمية التي يسري عليها الإعفاء ، إذ إن أثر هذا التجاوز ينصب على كيان العذر نفسه ، أما الجريمة فهي قائمة لا مساس بأركانها أو بعناصرها سواء تخلّف العذر بسبب تجاوز حدوده القانونية أم توافر (22) . ومن ثم لا تأثير في حالة الغلط بحدود العذر في عدم سريانه بحق الفاعل ولا في تحمله مسؤولية هذا التجاوز . وفي النهاية ، لا بد من اقتراح صيغة نص يعالج حالة التجاوز المذكورة ضمانا لحسن تطبيق نظام العذر وإرساءً لأحكامه وأصوله على أسس واضحة وسليــــــمة . ويقول النص المقترح : _ (( إن تجاوز الجاني الحدود القانونية للعذر يحول دون استفادته منه . وللمحكمة تخفيف العقوبة إذا كان التجاوز قد صدر عن حسن نيّة وبني على أسباب معقولة )) .

______________________

1 – عماد فتحي محمد السباعي-النظرية العامة للاعذار المعفية في القانون الجنائي-رسالة دكتوراه مقدمة الى كلية الحقوق في جامعة القاهرة-1986 –ص510 ومابعدها

2 – عماد فتحى محمد السباعى –المصدر السابق –ص511

3-تنص المادة (273) على أن((1.كل من أخفى أو آوى بنفسه أو بواسطة غيره شخصاً فرّ بعد القبض عليه أو صدر بحقه أمر بالقاء القبض أو كان متهماً فى جناية أو جنحة او محكوماً عليه وكان عالماً بذلك يعاقب…3 -لايسرى حكم هذه المادة على أصول أو فروع الشخص الهارب ولا على زوجه أو إخوته أو أخواته )) . وتلاحظ المادة (84/1)من قانون العقوبات الأردنى ،والتى نصت على ذات الأمر.

4- تنص المادة (247)على أن ((يعاقب…كل من كان ملزماً قانوناً بإخبار أحد المكلفين بخدمة عامة عن أمر ما أو إخباره عن أمور معلومة له فامتنع قصداً عن الإخبار بالكيفية المطلوبة وفى الوقت الواجب قانوناً وكل مكلف بخدمة عامة منوط به البحث عن الجرائم أو ضبطها أهمل الإخبار عن جريمة اتصلت بعلمه وذلك كله ما لم يكن رفع الدعوى معلقا على شكوى أو كان الجانى زوجاً للمكلف بالخدمة العامة أو من أصوله أو فروعه أو إخوته أو أخواته أو من فى منزله هؤلاء من الأقارب بحكم المصاهرة)).

5- د. نظام توفيق المجالي-شرح قانون العقوبات/القسم العام-مكتبة دار الثقافة للنشر والتوزيع-عمان/الأردن-1997-ص426

6-د. كامل السعيد-شرح الأحكام العامة في قانون العقوبات-ط1-الناشر الدار العلمية الدولية ودار الثقافة للنشر والتوزيع-عمان/الأردن-2002-ص308.

7 – عماد فتحي محمد السباعي – المصدر السابق – ص 512- 517 .

8- د. كامل السعيد – شرح الاحكام العامة – ص 308 وما بعدها . ينظر د. نظام توفيق المجالي – المصدر السابق – ص 426 .

9 – القاضي القاضي فريد الزغبي-الموسوعة الجزائية-المجلد الثالث/في الحقوق الجزائية العامة(الضابط المعنوي والفعل الجرمي)-ط3-دار صادر للطباعة والنشر-بيروت-1995– ص 387 وما بعدها .

10- عماد فتحي محمد السباعي – المصدر السابق – ص 517 .

11- المصدر السابق – ص 518 .

12- المصدر السابق – ص 518 – 520 .

13- د. شرح قانون العقوبات اللبناني/القسم العام-المجلد الأول-ط3-منشورات الحلبي الحقوقية-بيروت/لبنان-1998.ص 577 .

14 – عماد فتحي محمد السباعي – المصدر السابق – ص 521 هامش (2) وص 522 .

15- د. محمود نجيب حسني-شرح قانون العقوبات/القسم العام-ط5-مطبعة جامعة القاهرة والكتاب الجامعي-1982– ص 578 .

16- عماد فتحي محمد السباعي – المصدر السابق – ص 522 وما بعدها .

17- قرار محكمة التمييز في العراق 22 / هيئة عامة ثانية / 72 في 1/4/ 1972 . ذكره الاستاذ ابراهيم المشاهدي – ص 78 .

18 – قرارمحكمة التمييز رقم 528 / جنايات اولى / 86-87 في 25/1/ 1987- ذكره الاستاذ ابراهيم المشاهدي -المصدر السابق – ص 56 .

19- قرار محكمة التمييز رقم 151/ موسعة ثانية / 85-86 في 21/ 4/ 1986- ذكره الاستاذ ابراهيم المشاهدي – المصدر السابق – ص 55 .

20 – عماد فتحي محمد السباعي – المصدر السابق – ص 523 هامش (1).

21- المصدر السابق – ص 524.

22- المصدر السابق –ص 526.

الكلمات المفتاحية:
القسم: المكتبة القانونية
error: Content is protected !!